فخر الدين الرازي
134
تفسير الرازي
الذي تبلى فيه سرائركم قول فصل وحق . والثاني : أنه عائد إلى القرآن أي القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل : له فرقان ، والأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى . المسألة الثانية : * ( قول فصل ) * أي حكم ينفصل به الحق عن الباطل ، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم ، ويقال : هذا فصل أي قاطع للمراء والنزاع ، وقال بعض المفسرين : معناه أنه جد حق لقوله : * ( وما هو بالهزل ) * أي باللعب ، والمعنى أن القرآن أنزل بالجد ، ولم ينزل باللعب ، ثم قال : * ( وما هو بالهزل ) * والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وقد يكون على غير سبيل الجد وهذا الموضع من ذلك ، ثم قال : * ( إنهم يكيدون كيداً ) * وذلك الكيد على وجوه . منها بإلقاء الشبهات كقولهم : * ( إن هي إلا حياتنا الدنيا ) * ( الأنعام : 29 ) * ( من يحيي العظام وهي رميم ) * ( يس : 78 ) * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً ) * ( ص : 5 ) * ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) * ( الزخرف : 31 ) * ( فهي تملي عليه بكرة وأصيلاً ) * ومنها بالطعن فيه بكونه ساحراً وشاعراً ومجنوناً ، ومنها بقصد قتله على ما قاله : * ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك ) * ( الأنفال : 30 ) ثم قال : * ( وأكيد كيداً ) * . واعلم أن الكيد في حق الله تعالى محمول على وجوه : أحدها : دفعه تعالى كيد الكفرة عن محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم كقوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * وقال الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكقوله تعالى : * ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) * ( الحشر : 19 ) * ( يخادعون الله وهو خادعهم ) * ( النساء : 142 ) وثانيها : أن كيده تعالى بهم هو إمهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة ، ثم قال : * ( فمهل الكافرين ) * أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل ، ثم إنه تعالى لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال المأمور به قليل ، فقال : * ( أمهلهم رويداً ) * فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال أبو عبيدة : إن تكبير رويد رود ، وأنشد : يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته * كأنه ثمل يمشي على ورد أي على مهلة ورفق وتؤدة ، وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال رويداً زيداً يريد أرود زيداً ، ومعناه أمهله وارفق به ، قال النحويون : رويد في كلام العرب على ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون اسماً للأمر كقولك : رويد زيداً تريد أرود زيد أي خله ودعه وأرفق به ولا تنصرف رويد في هذا الوجه لأنها غير متمكنة والثاني : أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما تضاف المصادر تقول : رويد زيد ، كما تقول : ضرب زيد قال تعالى : * ( فضرب الرقاب ) * ( محمد : 4 ) ، والثالث : أن يكون نعتاً منصوباً كقولك : ساروا سيراً رويداً ، ويقولون أيضاً : ساروا رويداً ، يحذفون المنعوت